أوزجان يشار *
كانت حادثة اختراق أسراب من اسماك الميد و ابو سيف الصغيرة شبكات الحماية الخاصة بمياة التبريد في التسعينات حدث غريب و مدهش للعاملين في قطاع صناعة البتروكيماويات في مدينة الجبيل بالمملكة العربية السعودية , فقد تسربت أسراب الأسماك و بسرعة عبر أنابيب مياه التبريد و وصلت سريعاً إلى المؤثرات الحرارية و مضخات المياة و تسببت في توقف الإنتاج في مصانع سابك بمدينة الجبيل الصناعية, و كانت تلك الحادثة الأولى التي جعلتني ابحث عن مدى تأثير المخلوقات الصغيرة على سلامة الإنتاج و الصناعة و التكنولوجيا.
غالباً ما تكون فرق التنظيف معتادة على المهام الصعبة. لكن حين نزل عمال الصيانة في شركة ' كهرباء ساو باولو ' إلى باطن المعمل الكهرومائي العملاق ' سرجيو موتا ' الواقع على ضفاف نهر بارانا بداية هذا عام 1998 , لم يستطيعوا تصديق ما رأوه أو بالأحرى ما اشتموه. ففي مشهد أشبه بالكابوس , كانت حيوانات المحار المتعفنة منتشرة في كل مكان . وكان هذا هو الخبر السار . و مخلوق'ليموبرنا فورتوني'- المعروف باسم 'بلح البحر الذهبي' - كان هو الوحش الصغير . و إذا لم تتم مراقبة بلح البحر السريع التكاثر , لأنه يسد بسرعة أنابيب التبريد ويسبب ارتفاع درجات الحرارة في التوربينات, الذي يؤدي إلى إقفال المعمل. ومعمل سرجيو موتا مفخرة على صعيد معامل الطاقة في المنطقة ؛ فهو يؤمن الكهرباء لستة من أصل كل عشرة قاطنين في ساو باولو. والطريقة الوحيدة لمحاربة هذه المخلوقات تتمثل في تصريف التوربينات وإزالة بلح البحر بخراطيم المياه و المعاول. يقول المهندس المسؤول عن العمال لويس تادو دو فريتاس : ' نقلنا عربات منه وكانت الرائحة نتنة لا تحتمل ' .
لكن الرائحة هي آخر ما يقلقهم . فبلح البحر الذهبي , وأصله من آسيا , هو من الأحياء الغازية . وحين وصلت هذه المخلوقات الغازية إلى البرازيل أواخر تسعينات القرن الماضي , لم يقلق أحد بشأن هذا الحيوان التافه ذي الصدفتين . فحجمه ربع حجم الخمسين سنت الأمريكية ولا يمكنه حتى السباحة . لكن ليموبرنا فورتوني حيوان لاصق و متشبث . فعندما يتم سحب هذا الحيوان في صنابير صهاريج سفن الشحن , يتكاثر بلح البحر الذهبي على متن الرحلات البحرية الطويلة ثم يتم قذفها في موانئ في النصف الآخر من الكرة الأرضية . وهناك , تصبح الرحلة إلى البرية بالنسبة إلى هذا الحيوان سهلة للغاية . فهو يعلق على أنابيب السفن ومن هناك تنتقل إلى البرازيل والأرجنتين وباراغواي وأوغواي . وتنتشر هذه الكائنات الحية بحيث تخنق السلسلة الغذائية البحرية في البحيرات والأنهر والمستنقعات : وقد تميت السمك جوعا وتسد أنابيب المياه ومعامل تكرير مياه الصرف الصحي . ويحذر علماء البيئة من أنه إذا لم يتم التصدي لهذا الحيوان , فإن هذا الوباء المحصور سينتقل إلى بانتانال , وهي محمية مستنقعات البرازيل التي تعج بالحياة , ويؤدي ذلك في النهاية إلى القضاء على الفسيفساء الهشة للنباتات والعصافير والسمك في حوض نهر الأمازون .
ولطالما ساعدت الرياح والطقس والمحيطات على تنقل الكائنات الحية من مكان إلى آخر على الكرة الأرضية . لكن في السنوات الأخيرة , زادت التجارة العالمية والسفر من حدة هذه المشكلة لاسيما في عرض البحار . فقد تضاعفت سفن الشحن في المحيطات بنسبة 10 أضعاف في السنوات الـ 50 الأخيرة بحسب سجلات الشحن العالمية و 90 بالمائة من سلع العالم تشحن اليوم عبر المحيطات .
وحجم الشحن ليس المشكلة بقدر ما هو تغيير الصابورة . فللمحافظة على التوازن ,اعتادت السفن التي تمخر عباب البحر ملء عنبر السفينة بالصخور أو الرمل أو الفولاذ . لكن في السنوات الأخيرة , استعاضت السفن عن هذه المعدات بمياه البحر . وراحت تبلع ثقل التوازن من المياه في ميناء ما وتقذف به في الميناء التالي . وهذا ما يجعل كل سفينة شبيهة بحصان طروادة أحيائي مع أكثر من 7000 كائن غاز مخبأ في 11 بليون طن من المياه الصابورة كل يوم . وكل تسعة أسابيع , يتم إطلاق غاز أحيائي بحري جديد . والمنظمة البحرية الدولية التي تراقب المحيطات تعتبر الغزاة الوافدين مع السفن ' من أخطر التهديدات لصحة محيطات العالم ' .
ويعد التحكم في الأحياء الغازية البحرية من المهمات شبه مستحيلة . فمعظم المخلوقات قادرة على تجاوز أشد مراقبة للحدود . وقد أبرزت دراسة أجرتها الأكاديمية القومية للعلوم في الولايات المتحدة بداية عام 2002 أن 13.000 مرض تصيب النباتات ترصد كل سنة في مرافئ الولايات المتحدة مع أن يتم مسح 2 بالمائة فقط من سفن الشحن والبضائع الوافدة . وتتفاقم المشكلة أكثر في البلدان البحرية في العالم النامي . وتفتخر البرازيل بشاطئ يمتد على طول 8.00 كيلومتر فيما لدى الهند 12 ميناء شحن عملاقا مع 5.000 سفينة ترسو في مومباي وحدها كل سنة . وقد وضع البلدان فرق عمل حكومية معينة بمراقبة صابورة المياه - كما أطلقت البرازيل في شهر أبريل الماضي حملة قومية لصد بلح البحر الذهبي - بسبب كل الأضواء العالمية كل الأضواء العالمية المسلطة عليها . وقد تمكن البرازيليون من التركيز عليها من خلال إضافة مواد كيميائية مثل الكلورين إلى المياه في المعامل الكهرومائية مما يحول دون تمسك بلح البحر بالأنابيب وبالتالي فرك التربينات لتنظيفها . لكن هذا عمل مكلف ويستلزم الكثير من الوقت و يسيء إلى نوعية المياه .
و رغم أن جميع البلدان تتفق على وجود خطر , فإنه ليس هناك إجماع حول الطريقة لردعه . فإذا غيرت السفن مياه الصوابير في عرض البحار , حيث لا تستطيع الأجناس الشاطئية النجاة , سيسفر ذلك عن تأجيلات مكلفة ومخاطر إضافية . وقد أعدت شركة النفط البرازيلية ' بيتروباس ' نظاما واعدا يسمح للسفن بتفريغ صهاريج الصوابير وتعبئتها تدريجيا على طول الرحلة مع أن الشاحنين لا يزالون يدرسون الموضوع . من جهتهم يقوم المسؤولون البحريون في شتى أنحاء العالم بدراسة جميع المشكلات من الأشعة فوق البنفسجية وصولا إلى الأوزون ومرورا بمعالجة مياه الصوابير لكن كل هذه التجارب لم تنطلق بعد .
لن تتمكن التكنولوجيا وحدها من التغلب على الأحياء الغزاة . وسيتطلب أي حل دائم تعاونا بين الدول ذات جغرافيه بحرية . وقد تمت صياغة اتفاقية دولية للحد من مياه الصنابير لكن لن تصبح قانونا ما لم توقع عليها 30 دولة . وفيما تكون صحة القنوات المائية على المحك , فليس هناك خيار آخر سوى التوقيع . كما أن الحلول البديلة مقرفة فعلا .
* كاتب وباحث وأديب ومترجم ، مدير لمشروع في شركة الجبر تايكي في المملكة العربية السعودية














